إخوان الصفاء

308

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

مشاكلة لمذهبه واعتقاده ، لأنه يصرف أكثر همّه وعنايته إلى نصرة مذهبه ، وتحقيق اعتقاده في جميع متصرّفاته ، فيصير ذلك خلقا له وسجيّة وعادة يصعب إقلاعه عنها وتركه لها . وعلى هذا الجنس من الأخلاق تقع المجازاة من المدح والذّم والثّواب والعقاب والوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، لأنه اكتساب من صاحبه وفعل له ، والمثال في ذلك ما جاء في الخبر أن رجلين اصطحبا في بعض الأسفار ، أحدهما مجوسيّ من أهل كرمان ، والآخر يهوديّ من أهل أصفهان ، وكان المجوسيّ راكبا على بغلة عليها كلّ ما يحتاج إليه المسافر في سفره من الزّاد والنفقة والأثاث ، فهو يسير مرفّها ، واليهودي كان ماشيا ليس معه زاد ولا نفقة . فبينا هما يتحدثان ، إذ قال المجوسي لليهودي : ما مذهبك واعتقادك ، يا خوشاك ؟ قال اليهودي : اعتقادي أن في هذه السماء إلها هو إله بني إسرائيل وأنا أعبده ، وأسأله وأطلب إليه ومنه سعة الرزق ، وطول العمر ، وصحّة البدن ، والسلامة من الآفات ، والنّصرة على الأعداء ؛ أريد منه الخير لنفسي ولمن يوافقني في ديني ومذهبي ، ولا أفكر فيمن يخالفني في ديني ومذهبي ، بل أرى وأعتقد أن من يخالفني في ديني ومذهبي ، فحلال لي دمه وماله ، وحرام علي نصرته أو نصيحته أو معاونته أو الرحمة أو الشفقة عليه . ثم قال للمجوسي : قد أخبرتك عن مذهبي واعتقادي لمّا سألتني عنه ، فأخبرني ، يا مغا ، أنت أيضا عن مذهبك واعتقادك . قال المجوسي : أما اعتقادي ورأيي فهو اني أريد الخير لنفسي ولأبناء جنسي كلّهم ؛ ولا أريد لأحد من الخلق سوءا ، لا لمن كان على ديني ويوافقني ، ولا لمن يخالفني ويضادّني في مذهبي . فقال اليهودي له : وان ظلمك وتعدّى عليك ؟ قال : نعم ، لأني أعلم أن في هذه السماء إلها خبيرا فاضلا عادلا حكيما عليما لا تخفى عليه خافية في أمر خلقه ، وهو يجازي المحسنين بإحسانهم ، ويكافئ المسيئين على اساءتهم . فقال اليهودي للمجوسي : فلست أراك تنصر مذهبك